تتمثل الأسباب في:
اختلفت منهجية البحث وطرقه مع مرور الزمن، ففي العصور الوسطى استخدمت الطريقة الاستنتاجية لتحل الغموض الذي يحيط بالعلوم الطبيعية، بمعنى الانتقال من العام (الكل) إلى الخاص (الجزء)، ومن ثم جاء نيوتن وديكارت حيث استخدموا الأسلوب الرياضي لاعتقادهم أن أية مشكلة يمكن حلها باستخدام الطريقة التجريبية، وبعدها توصلوا إلى حقيقة أن لكل موضوع معين منهجية خاصة لمعالجته، وأصبح استعمال أكثر من منهج واحد للقيام بالبحث العلمي .
هذا يعني أن العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية لا تتميز بأحادية المنهج، وإنما بالتكامل المنهجي الناتج عن التعددية المنهجية، ويمكن أن نرجع أسباب التعددية المنهجية إلى :
- فقدان الروح العلمية الموضوعية، التي من الواجب على أي باحث التحلي بها، وهذا راجع إلى كون الباحث جزء لا يتجزأ من موضوع الدراسة والتحليل وليس مستقلا عنها، ولتجاوز هذه الأزمة يقترح علينا عالم الاجتماع الفرنسي "أميل دوركهايم" دراسة الظاهرة كشيء مادي ملموس، وهو ما يسمى عنده بالشيئية؛
- أن كل منهج علمي تقريبا هو وليد عصر معين ونتاج مفكر معين، وهذا يعني أن المنتهج الذي كان معمولا به في العصر اليوناني لم يكن معمولا في العصر الروماني، ولم يكن معمولا به في القرون الوسطى؛
- تشعب فروع العلوم فمثلا العلوم السياسية تعرف بأنها تلك العلوم التي تهتم بدراسة التاريخ السياسي، الدبلوماسي، الاقتصاد، الجغرافيا السياسية، علم السياسة، العلاقات الدولية، والقانون الدولي، وبالتالي يمكن دراسة أي فرع بمنهج مختلف، و كلها تتميز عن بعضها البعض بمنهج أو منهجين، وإن كانت ذات طبيعة اجتماعية واحدة؛
- و في هذا الصدد يقول أرسطو في كتابه "السياسة" (إن بعض العلوم لا تقبل إلا لغة رياضية والبعض الآخر لا يريد إلا أمثلة، البعض يريد الاستشهاد بالشعر، و البعض يحتم في كل بحث برهانا محكما بينما غيره يعتبر هذه الأحكام إسرافا،... ) و لكن يجب أن يبدي بتعريف مقتضيات كل نوع من العلوم، فلا وجود للدقة الرياضية في كل موضوع، و إنما فقط في الكلام عن المجردات، و لذلك فإن المنتهج الرياضي لا يصلح للعلم الطبيعي لأن الطبيعة تحتوي على المادة؛
- تعدد جوانب الظاهرة السياسية والاجتماعية مثلا، فلا يستطيع الباحث أن يعتمد على منهج واحد لدراسة وتحليل مختلف جوانب الظاهرة مما يتوجب على المحلل الاعتماد على مزيج من مجموعة من المناهج في إطار ما يعرف بالتكامل المنهجي، فلدراسة ظاهرة الانتخابات مثلا على الباحث أن يعتمد على المنهج الاستقرائي بالنسبة للمترشحين للعملية الانتخابية، والمنهج التاريخي لمعرفة نتائج العملية الانتخابية السابقة ونعتمد المنهج المقارن للمقارنة بين ماضي العملية الانتخابية وحاضرها للتنبؤ بمستقبلها، ونعتمد على المنهج الإحصائي من خلال قياس اتجاهات الرأي العام والمشاركة السياسية للمواطنين، ودراسة نتائج العملية الانتخابية، وبالتالي نكون أمام تكامل منهجي.





